السيد محمد الصدر
124
منة المنان في الدفاع عن القرآن
قوله تعالى : فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى : هنا تظهر الصناعة اللفظيّة من جهاتٍ ثلاث : الأُولى : نسق الآيات . الثانية : تكرار السين والراء أو تشابه المادّتين . الثالثة : التضادّ بين المادّتين في المعنى . ولا يمكن أن يقول : نيسّره للعسرى ؛ ليكون السياق مماثلًا لما سبق . وبذلك تكتسب مذاقاً يختلف عن مذاق ضدّها السابق ؛ فإنَّ هناك تساوقاً وهنا تضادّ . وكما أنَّ الله تعالى يستطيع أن ييسّر وأن يعسّر النتائج الطيّبة ، فكذلك يستطيع أن ييسّر ويعسّر النتائج الصعبة المؤلمة ، أي : يسرع بوصولها إلى الإنسان أو بتشديدها عليه بمقدار استحقاقه لا أكثر . وهي ضدّ اليسرى هنا ، فأيّ شيءٍ قلنا هناك يأتي خلافه هنا . وكان المختار أنَّ اليسرى هي النتائج الطيّبة عنده في الدنيا والآخرة ، فتكون هذه كذلك . فإن قلت : فإنَّ المراد قد يكون العسرى بنحوٍ مطلقٍ . قلنا : أوّلًا : هذا غير محتملٍ . ثانياً : أنَّه مقابلٌ لليسرى ، فهل يُراد بها اليسرى المطلقة أيضاً ؟ وهو غير محتملٍ ؛ لأنَّ المكلّف لا يتحمّل ذلك . فإن قلت : فإنَّ المراد من العسرى بطء نتائج الغير ضدّ تيسيرها هناك . قلنا : هذا في نفسه محتملٌ ؛ إلّا أنَّه جاء نتيجة لمقدّماتٍ مهمّةٍ وشديدةٍ ، فلا يحتمل أن تكون النتيجة بهذه البساطة ، إلّا أن يحمل مقدّماتها على ذلك . فبخل يعني : بالسعي لها ، واستغنى يعني : أهملها ، وكذّب يعني : كذّب ببعض